تاريخ النشرالخميس 28 أغسطس 2025 ساعة 15:21
رقم : 326745
من فرعون إلى ترامب: إعادة قراءة الوجه الاستغلالي لأمريكا في القرن الحادي والعشرين
وكالة أنباء صوت أفغانستان (آوا) - خدمة الأخبار الدولية: في اجتماع وزاري عُقد مؤخرًا، ادعى دونالد ترامب بنبرة منتصرة أن "الدول الأجنبية تدفع مئات المليارات بل تريليونات الدولارات مباشرة إلى خزينتنا — فقط ليجلسوا إلى طاولة المفاوضات." هذه العبارة، سواء من الناحية الكمية أو المفاهيمية، تحتاج إلى تحليل دقيق؛ لأن مجرد صحة الادعاء الرقمي أو عدمه له أهمية أقل من الرسالة التي تنقلها مثل هذه العبارات حول طبيعة السياسة الخارجية والاقتصادية الأمريكية.

٣.٢. الحلفاء الأوروبيون وحلف الناتو وقارة أمريكا
اتبَع ترامب سياسة مماثلة تجاه الحلفاء الأوروبيين وجيران أمريكا الشمالية:
أوروبا وحلف الناتو: أكد مرارًا أن على حلفاء الناتو دفع حصة أكبر للميزانية الدفاعية، وإلا فإن الدعم العسكري والأمني الأمريكي سيكون مشروطًا. شملت تهديدات ترامب تقليل التزامات الولايات المتحدة بالعمليات المشتركة والضغط على الدول الأعضاء لزيادة الميزانيات الدفاعية. 
كندا والمكسيك: خلال مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA)، استخدم ترامب أدوات الرسوم الجمراكية والتهديد بالانسحاب من المعاهدة للضغط على كندا والمكسيك لكسب مزيد من الامتيازات في مجال التجارة والرسوم الجمراكية. تمثل هذه الإجراءات نهجًا قائمًا على الضغط والحصول على مكاسب مالية واقتصادية حتى من أقرب الحلفاء التقليديين.
كانت العاقبة طويلة الأجل لهذه السياسة هي تقليل الثقة المتبادلة وزيادة المفاوضات الصارمة في التعاونات الأمنية والاقتصادية، حيث أدرك الحلفاء أن ضمانات الولايات المتحدة مشروطة وتقوم على المدفوعات المالية والمصالح قصيرة الأجل.
٣.٣. المنافسون التجاريون: الصين، روسيا، الهند، ودول أخرى
الصين: فرض ترامب رسومًا جمراكية وعقوبات تجارية واسعة النطاق ضد الصين لتقليل العجز في الميزان التجاري الأمريكي وتمكين واشنطن من زيادة نفوذها الاقتصادي. شملت العقوبات السلع التكنولوجية والمكونات الصناعية والمنتجات الزراعية.
    روسيا: على الرغم من العلاقات السياسية المتناقضة، هدد ترامب في بعض التصريحات بإجراءات اقتصادية ضد روسيا للتفوق في المفاوضات الأمنية والطاقة.
 الهند ودول آسيوية أخرى: شملت سياسة الرسوم الجمراكية والتهديد بفرض قيود على الاستيراد بهدف الضغط الاقتصادي أيضًا الدول الآسيوية الكبيرة التي تعتمد عليها أمريكا في وارداتها. كانت هذه الإجراءات جزءًا من استراتيجية شاملة لإعادة تعريف العلاقات التجارية وضمان حصة أمريكا في سلسلة القيمة العالمية.
كانت العاقبة طويلة الأجل لهذه السياسات هي خلق حوافز للدول المستهدفة لتنويع شركائها التجاريين، وتقليل الاعتماد على أمريكا، وإنشاء سلاسل اقتصادية بديلة. في الواقع، قد يؤدي الضغط الاقتصادي قصير الأجل إلى تقليل النفوذ الأمريكي طويل الأجل.
٤. التكاليف: لماذا "التسوية" أغلى من المقاومة؟
قد توفر التسوية قصيرة الأجل مع سياسات الضغط الأمريكية (أو شراء الأمن/الضمانات مؤقتًا) أموالًا وضمانات، لكن لها تكاليف تظهر غالبًا على المدى المتوسط والطويل:
تقليل استقلالية السياسة الخارجية.
الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي.
 الضغط على التوازن الاجتماعي وزيادة الضعف أمام الصدمات الدولية.
 
   في المقابل، فإن المقاومة العقلانية المنظمة (تنويع الشركاء التجاريين، وتعزيز القدرة الداخلية، واستخدام الآليات القانونية متعددة الأطراف) لها تكلفة زمنية وسياسية لكنها تزيد على المدى الطويل احتمالية الحفاظ على السيادة والرفاهية الوطنية. هذه المقولة لها أساس اقتصادي واستراتيجي واضح وليست أخلاقية فحسب.
٥. الخلاصة والتحليل النهائي: من فرعون إلى ترامب
كلمات ترامب هي كشف لخطاب استغلالي في السياسة الدولية أكثر من مجرد ادعاء ميزانياتي؛ خطاب لا ينكر صراحة الضغط، وأخذ الامتيازات المالية والاقتصادية، واستغلال المصادر الخارجية كأدوات. هذا الخطاب، من الناحية الرمزية والمفاهيمية، يشبه أنماط الهيمنة التاريخية، مثل سلوك الفراعنة والنمروذ: كلا النموذجين يظهران استخراج الموارد الخارجية وتراكم الثروة كركن رئيسي للحكم.
تبعات هذا النهج:
١. قصيرة الأجل: تزيد الإيرادات المباشرة عبر الرسوم الجمراكية والعقوبات وعقود التسليح، ويتعزز صورة قوة ونفوذ أمريكا.
٢. طويلة الأجل: يقلل الضغط الاقتصادي المستمر والتهديد بالقيود من ثقة الحلفاء ويزيد من حوافز الدول لتقليل الاعتماد وتنويع المصادر. قد يضعف هذا النفوذ الأمريكي على المستوى العالمي ويعطل شبكات الإنتاج والتجارة.
الدروس الاستراتيجية للدول المستهدفة:
الشفافية الداخلية: يجب على الحكومات حساب تكاليف ومنافع أي نوع من التسوية مع الضغط الاقتصادي الأمريكي بدقة، وتقديم الصورة الاقتصادية الواقعية للرأي العام وصناع القرار.
تقليل الاعتماد: تنويع الشركاء التجاريين، وتطوير الصناعات المحلية، وتقليل الاعتماد على المصادر الحيوية الأمريكية، يوفر أرضية للمقاومة الاستراتيجية.
التعاون الإقليمي ومتعدد الأطراف: تشكيل تحالفات إقليمية واستخدام الآليات القانونية والاقتصادية الدولية يمكن أن يقلل من قدرة أمريكا على الابتزاز.
النظرة الواقعية وطويلة الأجل: قبول الضغط قصيرالأجل قد يخلق منفعة  فورية، لكن التسويات  الاقتصادية والأمنية بدون استراتيجية طويلة الأجل تحمل تكاليف سياسية واقتصادية واجتماعية عالية.
الخاتمة:
سلوك ترامب وسياساته الاقتصادية - الأمنية هي استمرار لنموذج استغلالي في السياسة الدولية الحديثة؛ نموذج يستخدم أدوات مالية وجمركية وأمنية ودبلوماسية لفرض امتيازات على حلفائه ومنافسيه. تحتاج الدول المستهدفة إلى استراتيجية تجمع بين المقاومة المنظمة والتعاون الذكي وإدارة المخاطر على المدى الطويل. يظهر هذا التحليل أن تجربة الفراعنة والنمروذ التاريخية في استخراج الموارد، تتكرر اليوم بآليات اقتصادية وسياسية حديثة، في إطار سياسات ترامب وأمريكا، وفهم هذا النموذج أمر بالغ الأهمية لصانعي السياسات.
المصدر: وكالة صداي افغان للأنباء  (آوا) - خدمة الأخبار الدولية
https://avapress.net/vdcgt39wnak9xu4.,rra.html
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني