وكالة صدا ي افغان للأنباء(آوا):
عندما يعتصم طلاب جامعات كولومبيا وبيركلي وأكسفورد من أجل فلسطين، وعندما يملأ مئات الآلاف شوارع لندن وباريس وبرلين وجوهانسبرغ وجاكرتا وكوالالمبور، وحتى في الدول العربية الموقعة على اتفاقيات إبراهيم، ينتفض الشعب ضد التطبيع، فإن كل هذا نتيجة مباشرة لستة وسبعين عامًا من المقاومة الدؤوبة للشعب الفلسطيني.
في الواقع، تُظهر هذه الموجة من الاحتجاجات أن القضية الفلسطينية لم تعد مجرد "قضية إقليمية"؛ بل أصبحت المحور الرئيسي للنضال العالمي ضد الاستعمار الجديد. إن الجيل الذي يهتف الآن بشعار الحرية الفلسطينية في الغرب هو نفس الجيل الذي احتج سابقًا على التمييز العنصري، وضد الرأسمالية الجامحة، وضد الحروب التي لا تنتهي. واليوم، فلسطين هي رمز كل هذه النضالات.
لماذا تنبض قلوب الشعب الأفغاني بفلسطين؟
لم يشعر شعب أي بلد في العالم بألم فلسطين بعمق كما شعر به شعب أفغانستان. الأسباب واضحة:
1. خاضت كلتا الدولتين تجربة احتلال طويل ودموي: فلسطين تحت وطأة الصهاينة منذ عام 1948، وأفغانستان تحت احتلال الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وحلف الناتو من عام 1979 إلى عام 2021.
إن تجربة الاحتلال المشتركة جعلت الشعب الأفغاني يدرك معاناة الفلسطينيين، ليس من باب التعاطف، بل من منطلق "التجربة التاريخية".
2. قاومت كلتا الدولتين أحدث أسلحة العالم بموارد محدودة، وانتصرتا: أخضع المجاهدون الأفغان الاتحاد السوفيتي وأمريكا ببنادق الكلاشنيكوف والإيمان؛ ودفع المجاهدون الفلسطينيون الكيان المزود بالقنابل الذرية إلى اليأس باستخدام الصواريخ والأنفاق محلية الصنع.
أصبحت هذه المقاومة غير المتكافئة جزءًا من هوية الدولتين.
٣. كلاهما وقع ضحية مشاريع "السلام المفروض" و"الصفقة":
كما سعت خطة ترامب إلى انتزاع القدس من الفلسطينيين إلى الأبد، كانت هناك أيضًا خطط عديدة لتقسيم أفغانستان بشكل دائم وفرض دولة عميلة.
تُظهر هذه الجهود أن القوى الأجنبية تُعرّف السلام ليس على أنه نهاية للحرب، بل على أنه فرضٌ لما ترغب فيه.
٤. كلتا الدولتين تعتبران الشهادة شرفًا، والموت في سبيل الله أحلى خاتمة.
لهذا السبب، تُقام الصلاة دائمًا في مساجد كابول وهرات وقندهار ومزار الشريف من أجل نصر غزة، ويُرفع العلم الفلسطيني إلى جانب العلم الأبيض للإمارة الإسلامية.
جعلت هذه الهوية الدينية والتاريخية أفغانستان من أكثر الدول تأييدًا للقضية الفلسطينية.
صفقة القرن: خطة لإنقاذ إسرائيل، وليست خطة سلام لفلسطين
لا يزال دونالد ترامب يتحدث بفخر عن "صفقة القرن" ويدّعي أنه كتب أعظم خطة سلام في تاريخ الشرق الأوسط.
لكن فداحة كذبه تتجلى عندما نتعرف على بنود هذه الصفقة:
- التنازل الكامل عن القدس لإسرائيل
- إلغاء حق عودة ملايين اللاجئين الفلسطينيين نهائيًا
- إعلان المستوطنات الصهيونية غير الشرعية رسميًا جزءًا من إسرائيل
- نزع سلاح الجيش الفلسطيني
- في المقابل، تُمنح مليارات الدولارات من أموال النفط السعودية والإماراتية للفلسطينيين لإسكاتهم!
لم تعد هذه خطة سلام؛ بل اتفاقية استسلام مفروضة، هدفها واحد فقط: إنقاذ النظام الصهيوني من الانهيار الداخلي وأزمة شرعية عالمية. هو النظام نفسه الذي يشهد اقتصاده انهيارًا حرًا اليوم بعد أشهر من حرب غزة، وجنوده غير مستعدين للعودة إلى الجبهة.
والأهم من ذلك، أن هذه الصفقة أظهرت أن الولايات المتحدة وحلفاءها يهتمون بـ"أمن إسرائيل" أكثر من "حقوق الفلسطينيين"؛ وهي قضية قضت عمليًا على ثقة الأمم بالوساطة الغربية.
سلام شرم الشيخ؛ السخرية السياسية لهذا القرن!
يُردد ترامب باستمرار أنه "أنهيت ثماني حروب في العالم".
ومن بين هذه "نهايات الحروب" وقف إطلاق النار في شرم الشيخ بين حماس وإسرائيل في نوفمبر 2024.
لكن الواقع مختلف تمامًا:
- لم يستمر وقف إطلاق النار هذا سوى 48 ساعة! في اليوم التالي، قصفت إسرائيل رفح مجددًا، ثم النصيرات، ثم جباليا.
- إذا أطلقوا على هذا "نهاية الحرب"، فعليهم منح ترامب جائزة نوبل للفكاهة!
تمامًا مثل اتفاقية الدوحة مع طالبان، التي ادعت الولايات المتحدة أنها "سلام تاريخي". التاريخ يُعيد نفسه لمن لا يتعلم.
يُظهر هذا التكرار أن الأزمات الهيكلية في المنطقة لن تُحل باتفاقيات قصيرة الأجل؛ فما دامت جذور القمع باقية، ستستمر الحرب.
نظام مارق لا يعرف حدودًا
لم تعد إسرائيل تقتصر على غزة والضفة الغربية؛ لقد أصبح تهديدًا مباشرًا للمنطقة بأسرها:
- الهجوم على القنصلية الإيرانية في دمشق
- اغتيال علماء وقادة إيرانيين كبار وحرب الـ 12 يومًا
- القصف المتكرر لمطاري دمشق وحلب
- الغارة الجوية على ضواحي بيروت واغتيال قادة كبار في حزب الله
- قصف ميناء الحديدة ومحطات الطاقة اليمنية
و...
تُظهر هذه الإجراءات أن إسرائيل ترى نفسها فوق القانون الدولي، وأن الهياكل العالمية لا تُشكل عائقًا أمامها عمليًا. في مثل هذه الظروف، لا يُعد التضامن الإقليمي خيارًا، بل ضرورة أمنية.
رسالة أخيرة إلى الإمارة الإسلامية وجميع التيارات السياسية في أفغانستان
يُتوقع من حكام إمارة أفغانستان الإسلامية الحاليين، والعلماء، والجماعات العرقية المؤثرة، والشباب المثقف، وجميع الشخصيات السياسية، أن يجعلوا من دعم فلسطين سياسةً ثابتةً ودائمةً وأولويةً؛ ليس فقط في 29 نوفمبر/تشرين الثاني، ولا في خطب الجمعة الخاصة.
يجب أن يكون الدفاع عن فلسطين في مقدمة كل بيان، وكل اجتماع دولي، وكل خطاب رسمي، وكل لقاء دبلوماسي. ففلسطين هي الخط الأحمر لشرف الأمة، ومقياس صدق كل من يطالب بها. وما دام شبر واحد من أرض فلسطين محتلاً، فلن ينعم أي مسلم في أي مكان من العالم بالسلام.
كما يمكن لأفغانستان، بالاستناد إلى تجربة أربعة عقود من الحرب والمقاومة، أن تلعب دورًا روحيًا مميزًا في دعم الأمة الفلسطينية؛ دور يتجاوز السياسة والدبلوماسية، ويرتبط بالهوية التاريخية لهذه الأرض.
المصدر: وكالة صداي افغان للأنباء (آوا) - خدمة تحليل الأخبار والبحث