تاريخ النشرالسبت 29 نوفمبر 2025 ساعة 19:58
رقم : 338612
من هزيمة واشنطن الاستراتيجية إلى أزمة الشرعية في تل أبيب؛ الرسائل الخفية في خطاب قائد الثورة الإسلامية
إنّ الخطاب الأخير لقائد الثورة الإسلامية، الذي تجاوز كونه مجرّد توصيف مناسبتي لدور التعبئة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يمثّل في الحقيقة خريطة شاملة للتحوّلات الأمنية في المنطقة وقراءة استراتيجية جديدة لمعادلة توازن القوى في غرب آسيا؛ وهي معادلة تغيّرت بشكل ملموس بعد الحرب ذات الأيام الاثني عشر، وباتت تتحرّك على نحوٍ واضح ضد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، ولصالح محور المقاومة.وفوق ذلك، فإنّ الرفض القاطع للشائعات المتعلقة برسالة من طهران إلى واشنطن بشأن التفاوض، يحمل رسالة محورية للسياسة الإقليمية الإيرانية: إنّ طهران ليست في موقع ضعف، بل في لحظة مليئة بالثقة الاستراتيجية، وتحافظ بلا تردّد على خطوطها الحمراء.
على الرغم من أنّ قائد الثورة الإسلامية أكّد في بداية خطابه على الطابع الشعبي والفريد للتعبئة في إيران وعدّها «ظاهرة منبثقة من صميم المجتمع الإيراني»، إلّا أنّ الجزء المهم والاستراتيجي من حديثه كان مرتبطاً بثلاث قضايا:
1.تحليل نتائج الحرب ذات الأيام الاثني عشر وتداعياتها على أميركا وإسرائيل
2.إعادة قراءة موقع واشنطن وتل أبيب الحالي وتراجع قدرتهما على الردع
3.التكذيب الصريح للرواية الأميركية حول رسالة إيران والتأكيد على أنّ طهران لا تدخل التفاوض تحت الضغط
هذه الطبقات الثلاث مجتمعة تقدّم صورة عن الثقة بالقوة الوطنية، واتساع العمق الاستراتيجي لإيران، وتزايد ضعف الخصوم الإقليميين وما فوق الإقليميين.

1.تحليل الحرب ذات الأيام الـ 12؛ تحوّل ميزان القوى في المنطقة
قائد الثورة الإسلامية وصف الحرب الـ 12 يوماً ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنّها «محطة» مهمة في وضع المنطقة؛ ليست مواجهة عادية ولا حلقة مكررة من التوترات الدائمة، بل لحظة انهار فيها نظام أمني وظهر نظام جديد.
1–1. انهيار الردع لدى الكيان الصهيوني
في هذا التحليل تبرز عدة نقاط أساسية:
ـ لم يتمكن كيان الاحتلال، رغم قدرته العسكرية الواسعة والدعم غير المشروط من أميركا، من السيطرة على الميدان.
ـ التهديدات المتكررة ببدء عملية برية لم تُنفّذ أبداً بسبب كلفتها المحتملة العالية.
ـ الدفاع الجوي متعدد الطبقات لدى الكيان تعرّض للاهتراء على عدة مستويات أمام حجم ودقة نيران المقاومة.
هذا الواقع يعني انتهاء صورة «الكيان الذي لا يُهزم»؛ وهي صورة أنفقت عليها سبعة عقود من الاستثمارات السياسية والعسكرية، لكنها اليوم تعرضت لضرر كبير في حرب قصيرة.

1–2. صعود المقاومة إلى لاعب ردعي
قائد الثورة الإسلامية اكد ان الحرب الـ 12 يوماً اثبتت ان المقاومة لم تعد «قوة مشتتة»، بل اصبحت لاعباً عسكرياً يمتلك قدرة رد فورية، ودقة عالية، وقابلية الاستمرار في توجيه الضربات.
وهذه النقطة مهمة جداً في التحليل الاعلامي: فقد اظهرت طهران عملياً ان الاستراتيجية الاميركية طوال 20 عاماً لاحتواء المقاومة وتقييدها قد فشلت.

1–3. دور ايران في تشكيل المعادلة الجديدة
من دون دخول مباشر في الحرب، ولكن عبر الدعم البنيوي لمحور المقاومة، اظهرت ايران ان:
ـ معادلات المنطقة لا تُصاغ من دونها،
ـ وان طهران اليوم تمتلك «حصة استراتيجية» في كل تحول عسكري وسياسي.
وهذه الرسالة ليست موجهة لاميركا والكيان الصهيوني فقط، بل ايضاً لحلفاء اميركا الاقليميين.

2.تحليل وضع اميركا و اسرائيل بعد الحرب
خطاب قائد الثورة الاسلامية يقدّم صورة غير مسبوقة عن الظروف الداخلية والخارجية للاعبين الرئيسيين ضد ايران ـ واشنطن وتل ابيب.
2–1. اميركا: من المبادرة الاستراتيجية الى الانفعال السياسي
في هذا التحليل:
ـ اميركا لم تعد قادرة على اعادة انتاج النظام الاقليمي الذي تريده.
ـ الازمات السياسية الداخلية، والضغوط الانتخابية، والتشققات البنيوية، قلّصت قدرة واشنطن.
ـ موقع اميركا تحوّل من «محدد المسارات» الى «متلقٍ للاحداث».
وفي ظل هذه الظروف، تشعر طهران ان اميركا فقدت شروط المبادرة في التفاوض او صناعة الضغط، وان ايران لم تعد في موقع الحاجة او الطلب.

2–2. اسرائيل: ازمة امنية مقرونة بازمة شرعية
في تفسير خطاب الامام الخامنئي، تعيش اسرائيل ازمة على ثلاثة مستويات:
1.الازمة الامنية:
ـ العجز عن متابعة الحرب،
ـ الفشل في تحقيق الاهداف المعلنة،
ـ والتعرض الشديد لضربات المقاومة.
2.الازمة الداخلية:
ـ انقسام سياسي غير مسبوق،
ـ تراجع موقع رئيس الوزراء،
ـ واستياء اجتماعي واسع.
3.الازمة الدولية:
ـ شرعية مخدوشة،
ـ تراجع الدعم الشعبي الغربي،
ـ وازدياد الضغوط القانونية والاعلامية.
في هذا المنظور، تحولت اسرائيل من قوة ردع الى دولة تحتاج دعماً دائماً.

3.الرد على الشائعات بشأن رسالة ايران الى اميركا
اهم جزء في خطاب قائد الثورة الاسلامية، من منظور استراتيجي، كان النفي القاطع للكلام حول رسالة من ايران للتفاوض. وقد وصف سماحته هذا الادعاء بانه «كذب».
3–1. لماذا هذا النفي مهم؟
كان يمكن لصمت ايران ان يحمل دلالة لدى واشنطن؛ لكن:
ـ قائد الثورة الاسلامية نفى ذلك شخصياً،
ـ واظهر عملياً ان طهران لا تريد ان يظهر ادنى مؤشر على الليونة تحت الضغط.
هذه الرسالة تغير مباشرة معادلة المفاوضات النووية.

3–2. التفاوض تحت الضغط خط احمر في طهران
بهذا الموقف، اعلنت طهران:
ـ ان ايران لا تقدم تنازلات،
ـ وان توقيت التفاوض تحدده بنفسها،
ـ وان اي صفقة خلف الكواليس في الظروف الحالية غير واردة.

3–3. رسالة غير مباشرة الى المقاومة والراي العام
بهذا الموقف: يطمئن حلفاء الجمهورية الاسلامية في المنطقة الى ان طهران لا تبحث عن اتفاقات سرية في ذروة الحروب. كما يفهم الراي العام الداخلي ان طهران لن تدخل في اي مسار قد ينتهي بتكرار تجارب الماضي غير الناجحة.

الخلاصة التحليلية النهائية؛ موقعية إيران الجديدة وانحسار الثنائية الأميركية – الإسرائيلية
الرسم الكامل لكلام قائد إيران يرسم الخريطة التالية:
1.الحرب ذات الـ 12 يوماً كانت نقطة نهاية لردع اسرائيل وبداية معادلة جديدة للمقاومة.
2.اميركا في أضعف حالة لاتخاذ القرار الإقليمي وهي منشغلة بالتحديات الداخلية.
3.اسرائيل تواجه أزمة أمنية وسياسية وشرعية معاً ولا تستطيع إعادة بناء ردعها.
4.ايران باتت في مركز تحولات المنطقة ووسعت عمقها الاستراتيجي دون دخول الحرب.
5.الملف النووي لم يعد أداة ضغط غربية؛ ايران هي التي تحدد توقيت وإطار التفاوض.
6.نفي شائعات الرسالة الى اميركا أظهر أن طهران غير مستعدة لأي صفقة متسرعة وأن الضغوط لا يمكنها تغيير سلوك ايران.
7.وأخيراً، ترى ايران نفسها اليوم في موقع أعلى وثقة استراتيجية أكبر؛ موقع نشأ على أساس توازن حقيقي للقوة في المنطقة، لا على أساس الاتفاقيات السياسية.
 
https://avapress.net/vdccs4q1i2bq1e8.caa2.html
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني