تاريخ النشرالأحد 30 نوفمبر 2025 ساعة 10:43
رقم : 338662
عودة العنف المُنشأ من قبل أمريكا: من غزدم قندهار إلى إطلاق النار في واشنطن
سيد عباس حسيني / الهجوم الأخير الذي نفذه جندي سابق تابع للوحدات الخاصة تحت إدارة وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في واشنطن، لم يكن مجرد حادث أمني، بل كشف عن ستار جديد من التناقضات، التملص من المسؤولية، والأخطاء التاريخية لأمريكا في أفغانستان؛ تناقضات ظهرت بوضوح في ردود فعل تميم عاصي، نائب وزير الدفاع السابق في أفغانستان، و رنغين دادفر اسبنتا، وزير خارجية حكومة كرزاي، مما يُظهر أن أمريكا في مواجهة "منتجاتها الأمنية" تواجه أزمة أخلاقية وحيرة سياسية.
إذا فُهم هذا الحادث بشكل صحيح، فإنه ليس حدثًا منفردًا فحسب، بل هو انعكاس للهياكل الأمنية والسياسية المريضة التي أنشأتها واشنطن وأدارتها ثم تخلّت عنها في أفغانستان على مدى عقدين من الزمن.

1. الإهانة الهيكلية لأمريكا لحلفائها الأفغان: «أنتم كنتم مناسبين للموت، لا للعيش بيننا»
جو كِنت، مدير مركز مكافحة الإرهاب الأمريكي، في رده على حادثة واشنطن، أعلن: إن المهاجم قد خضع سابقًا «لفحص العمليات العسكرية ضد طالبان والقاعدة وداعش»، إلا أن «صلاحياته للعيش في أمريكا» لم تُفحص.
تميم عاصي، في رد صريح، كشف عن التناقض الأخلاقي العميق لهذه التصريحات، وكتب: «إذن كان الأفغان قد خضعوا للفحص الكافي للقتال إلى جانب القوات الأمريكية لمدة عقدين، لتقديم الدم والموت؛ لكن لم يُفحصوا بما فيه الكفاية ليعيشوا في أحيائكم؟! الرسالة الواضحة لكلماتكم ليست سوى: كنتم مناسبين للموت في خدمتنا، لكن ليس للعيش بيننا. هذا المنظور منهك أخلاقيًا، وجاهل تاريخيًا ومخجل. عار عليكم!»
هذه التصريحات تعكس حقيقة مرة: الأمريكي الذي استخدم آلاف الأفغان كـ«قطع أمنية»، اليوم يصفهم بـ«تهديد محتمل». وبنظرة عنصرية كهذه، تُظهر واشنطن أن «الجندي الأفغاني» لم يكن شريكًا أمنيًا، بل سلعة مستهلكة؛ سلعة لا تحصل على احترام أو حق العيش بعد انتهاء مهمتها.

2. الوجه الخفي للحرب: جرائم وحدة «غزدم» والمسؤولية المباشرة لأمريكا
حادثة واشنطن في الواقع نار اشتعلت من صميم البرامج الأمنية السرية لأمريكا في أفغانستان.
رنغين دادفر اسبنتا في تغريداته يُذكّر أن المهاجم ـ عبدالله لکنوال ـ كان أحد القوات المدربة في «وحدة غزدم»، وهي وحدة مرعبة أنشأتها وأعدتها وأدارتها وكالة الاستخبارات المركزية (CIA).
ويكتب اسبنتا:
«رحمان‌الله لکنوال قبل ثلاثة عشر عامًا، في سن السادسة عشرة، انضم إلى خدمة القوات الخاصة لوكالة الاستخبارات المركزية. كان عضوًا في الوحدة المرعبة "غزدم"، وشارك في قتل الأفغان... وحتى الأيام الأخيرة من انسحاب الأمريكيين من كابل تعاون معهم، وفي سبتمبر غادر أفغانستان برفقتهم.»
ثم يؤكد:
«هذه الجريمة المروعة مدانة؛ لكن هل المذنبون هم شعب أفغانستان أم أولئك الذين علموه القتل منذ صغره؟»
يشرح اسبنتا في تغريدة أخرى إحدى الجرائم الفظيعة لوحدة «غزدم»:
«حوالي أربعين من أفراد الوحدات الخاصة التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، «غزدم»، دخلوا في 9 يونيو 2009 مكتب المدعي العام في قندهار، حيث كان قائد الأمن، مطيع‌الله قاطع، حاضرًا أيضًا، وكانوا يسعون لإطلاق سراح مجرم. وعندما واجهوا مقاومة، قتلوا قائد الأمن، والمدير الجنائي، وتسعة من الشرطة في نفس المكان. وصلت هذه الحادثة إلى حد التوتر العسكري الكبير بين قوات أفغانستان والقوات الخاصة لوكالة الاستخبارات المركزية في قندهار. وفي النهاية تم اعتقال هؤلاء الأفراد وإدانتهم. جميع جهود الداعمين الأجانب لإطلاق سراحهم واجهت معارضة رئيس الدولة كرزاي، لكن لاحقًا أفرج عنهم السيد أشرف غني. أحد الأفراد الذين انضموا إلى هذه الوحدة في عام 2012 ارتكب فعلًا إرهابيًا في واشنطن.»
تظهر هذه الرواية أن:
_قوات «غزدم» كانت أداة لصناعة القتلة لدى أمريكا، وليست جزءًا من الهيكل الرسمي للحكومة الأفغانية.
_استخدمتهم أمريكا كأدوات للعمليات الرمادية للاغتيال، والإزالة الجسدية، والحرب النفسية.
_لم تكن لدى الحكومة الأفغانية أي سيادة أو سلطة قانونية على هذه الوحدات.
واليوم، أحد هؤلاء الأفراد نفسه ارتكب إطلاق نار في واشنطن. هذه هي «عودة العنف المُدرَّب»، العنف الذي أنشأته أمريكا بنفسها.

3. الأزمة النفسية للمهاجرين المرتبطين ببنية الحرب الأمريكية
جزء مهم آخر من الواقع هو أن الجنود الأفغان القدامى، المترجمين التابعين، القوات الخاصة تحت إمرة أمريكا، وأعضاء الوحدات السرية، بعد انتقالهم إلى أمريكا واجهوا أزمات نفسية، وهوية، واجتماعية عميقة.
جيل تم استخدامه منذ صغره في خدمة آلة الحرب الأمريكية، تعوّد على القتل، انفصل عن البنية الاجتماعية في أفغانستان، وفي النهاية تُرك دون حماية نفسية، واليوم أصبح ضحية لنفس النظام.
السؤال الأساسي هو:
هل كانت جرائمهم في أفغانستان ـ التي نفذت بأمر مباشر من أمريكا وبدون حق المحاكمة ـ مقبولة، بينما يُسمّى نفس السلوك اليوم على أرض أمريكا "إرهابًا"؟!
هذا التناقض يُظهر أن "قيمة حياة الإنسان" في نظر أمريكا تعتمد على الجغرافيا. أفغانستان كانت جغرافيا مسموحًا فيها بالعنف؛ واشنطن لا.

4. الخطر الاستراتيجي: الاستغلال السياسي لأمريكا والدور المدمر لباكستان
الآن، الخطر الرئيسي هو أن تستخدم واشنطن الحادثة الأخيرة ذريعة لتكثيف الضغوط السياسية على أفغانستان، وتصعيد العقوبات، والتدخل الأمني، وخلق إجماع عالمي ضد كابل.
تزداد هذه المخاوف جدية عندما تنشط باكستان ـ الشريك التقليدي لأمريكا في مشروع زعزعة استقرار أفغانستان ـ بجانب أمريكا.
الحقائق الراهنة:
1.العلاقات بين كابل وإسلام آباد توقفت عمليًا نتيجة الاعتداءات الحدودية وفشل مفاوضات وقف إطلاق النار.
2.بعد القضاء على النوى الرئيسية لداعش في أفغانستان، أعادت باكستان تنظيم البقايا والشبكات العملياتية داخل أراضيها.
3.الهدف الرئيسي لباكستان: خلق حالة انعدام أمن في أفغانستان، ممارسة ضغوط سياسية على كابل، وإدارة أزمات مصطنعة بدعم استخباراتي أمريكي.
في مثل هذه الظروف، يصبح احتمال الاستغلال المشترك من قبل أمريكا وباكستان لحادثة واشنطن لتشويه صورة أفغانستان، وخلق ضغوط جديدة، وفتح مسار للتدخل مرة أخرى أمرًا جديًا للغاية.

الخلاصة: تملص أمريكا من المسؤولية وضرورة اليقظة الإقليمية
هجوم واشنطن ليس مجرد حادث فردي. هذا الحدث يُظهر ما يلي:
_أمريكا تتحمل مسؤولية مباشرة في إنشاء "قوات غير منتظمة وغير قانونية" في أفغانستان.
_الأزمة النفسية والاجتماعية للقوى التابعة هي نتاج هذه السياسة نفسها.
_تحاول واشنطن اليوم تقديم ضحاياها المُدرَّبين على أنهم "تهديد أمني" لتجنب المسؤولية.
_باكستان لا تزال فاعلًا لزعزعة الاستقرار الإقليمي وتوفر البيئة اللازمة لاستغلال مثل هذه الحوادث.
في هذه الظروف، يجب على دول المنطقة ـ خاصة إيران وروسيا والصين ـ مراقبة سياسات أمريكا وباكستان بحساسية عالية، ومنع أي سيناريو جديد لزعزعة استقرار أفغانستان.
لدى حادثة واشنطن رسالة مهمة: العنف الذي زرعته أمريكا في أفغانستان، قد نما اليوم في قلب أمريكا نفسها.
لكن الأهم هو منع تحوّل أفغانستان مرة أخرى إلى ساحة حرب بالوكالة بين أمريكا وباكستان؛ وهو خطر أصبح أكثر جدية من أي وقت مضى.
https://avapress.net/vdch-6nxi23nx-d.4tt2.html
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني