تاريخ النشرالثلاثاء 11 أغسطس 2026 ساعة 16:05
رقم : 362970
من السلطة الصلبة إلى القوة الدائمة؛ تأملات حول التعيينات الأخيرة في القوات المسلحة الإيرانية
كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال العقود الماضية أهم داعم سياسي وروحي واستراتيجي لقضية فلسطين ولحركات المقاومة في المنطقة. ولهذا، فإن أي تحول مهم في البُنى الاستراتيجية لإيران يحظى باهتمام التيارات المتحالفة معها في المنطقة.

من هذا المنظور، يمكن أن تحمل التعيينات الجديدة رسالة مهمة لجبهة المقاومة: إن هيكلية الجمهورية الإسلامية مستمرة وقيد إعادة البناء وتعزيز قدراتها، ولم تستطع الضغوط المتعددة أن تضعف أساس التنظيم وقوة اتخاذ القرار لديها أو تقضي عليهما. هذه القضية قد تساهم في تعزيز معنويات عامة تيارات المقاومة؛ لأن المقاومة، أكثر مما تعتمد على المعدات فقط، بحاجة إلى الثقة والأمل والتماسك والاطمئنان بالمستقبل.

الأمة الإسلامية اليوم تواجه العديد من التحديات؛ من قضية فلسطين والجرائم ضد شعب غزة، وصولاً إلى الخلافات الداخلية، والضغوط الخارجية، والتطرف، والأزمات الاقتصادية والحرب الإعلامية. في مثل هذا الجو، فإن وجود دولة قوية ومستقرة في العالم الإسلامي قادرة على الدفاع عن مصالحها وأمنها الوطني ولعب دور في الساحة الإقليمية، له أهمية خاصة بالنسبة لكثير من الشعوب المسلمة.

يقول القرآن الكريم:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال، الآية 46)
لذلك، أحد أهم دروس التحولات الأخيرة هو أهمية الانسجام والتنسيق ومنع حدوث فراغ في الإدارة الاستراتيجية؛ وهي قاعدة لا تختص بإيران فقط، بل تستحق التأمل من جميع شعوب العالم الإسلامي.

من الواضح والجلي أن جودة القيادة واتخاذ القرارات الاستراتيجية تكتسب أهمية مضاعفة في الظروف الحرجة. على القيادة العليا للقوات في مثل هذه الظروف أن تحافظ على الهدوء وتستفيد من قدرات العناصر ذات الخبرة وتعيد هيكلة الأطر بما يتناسب مع الظروف الجديدة.

من هذا المنظور، يمكن اعتبار التعيينات الأخيرة جزءاً من الإدارة الذكية للأوضاع بعد التحولات والضغوط الأمنية الأخيرة؛ إدارة تهدف إلى الحفاظ على الجاهزية، ومنع فراغ القيادة وتعزيز التنسيق بين القطاعات المختلفة للقوات المسلحة.

نقطة مهمة أخرى هي أن مفهوم القوة لا ينبغي تفسيره فقط على أنه القوة الصلبة. إن القوة الدائمة تتشكل عندما تترافق القوة العسكرية مع الحكمة السياسية والتماسك الاجتماعي والثقة العامة والقدرة الاقتصادية والشرعية الوطنية.

وقد أكد أمير المؤمنين علي (ع) في رسالته الشهيرة إلى مالك الأشتر كثيراً على أهمية الشعب وكسب رضاهم قائلاً:
«فَإِنَّ عِمَادَ الدِّينِ وَجِمَاعَ الْمُسْلِمِينَ وَالْعُدَّةَ لِلْأَعْدَاءِ الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ»
ومن هنا، فإن القوة الحقيقية للجمهورية الإسلامية تبلغ ذروتها عندما تُقرن القوة الدفاعية بخدمة الشعب والعدالة، ومكافحة الفساد، وحل المشاكل الاقتصادية، وتعزيز رأس المال الاجتماعي.

كما تحمل التعيينات الجديدة رسالة ثبات في مواجهة الحرب النفسية. فاليوم إحدى أهم ساحات المواجهة هي ساحة الإعلام والحرب النفسية؛ حيث يسعى العدو من خلال تضخيم المشاكل والخلافات والضغوط لخلق تصور أن الجمهورية الإسلامية على وشك الانهيار أو فقدان القدرة على اتخاذ القرار. لكن استمرارية اتخاذ القرار على أعلى المستويات وتقديم عناصر بديلة والحفاظ على هيكل القيادة، يمكن عملياً أن يواجه مثل هذه الروايات. وفي هذا السياق، قيّمت بعض التقارير الداخلية أيضاً التعيينات الجديدة باعتبارها مؤشراً على استمرار القيادة وجهوزية البنية الدفاعية.

لا شك أن الأهمية الرئيسية لهذه التعيينات لا تقتصر فقط على أسماء الأشخاص. ما هو أكثر أهمية، هو بناء هياكل تستطيع أن تواصل أداء مهمتها حتى مع تغيّر المديرين. النظام الحوكميّ الناجح هو ذاك الذي:

يدرب خليفة وقوة بديلة كفؤة لكل مسؤول،
يوثق وينقل الخبرات السابقة،
يحرر عملية اتخاذ القرار من التعلق بالأشخاص ويدخل الشباب المتخصصين والملتزمين إلى الساحات الإدارية،
يوازن بين الخبرة وروح الشباب،
ويعزز إلى جانب القوة الدفاعية، رأس المال الاجتماعي والرضا العام.

وبناءً عليه، يمكن اعتبار التعيينات الأخيرة في المستويات العليا للقوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية من منظور استراتيجي دليلاً على استمرار القيادة، وامتلاك القدرة على إحلال القوى، والتماسك الهيكلي، والاستعداد لمواجهة ظروف مستقبلية معقدة.

هذه التعيينات تحمل داخلياً رسالة استقرار واستمرار، وللأعداء رسالة عدم إحداث فراغ بتغير الأشخاص، ولجبهة المقاومة وأجزاء من الأمة الإسلامية رسالة أمل واستمرار دعم إقليمي.

ومع ذلك، فإن القوة الدائمة لا تتحقق فقط بالقيادة العسكرية. القوة الحقيقية لن تبقى إلا إذا اقترنت القوة الدفاعية بالعدالة والكفاءة، وخدمة الشعب، والوحدة الوطنية، والعقلانية السياسية، وتعزيز رأس المال الاجتماعي. لذا يمكن القول: النظام الذي يدرّب موارده البشرية لأجل الظروف الصعبة، ويحافظ على هياكله، ويعيد ترتيب قيادته بقرارات مناسبة في اللحظة الحاسمة، يمتلك قدرة أكبر على تجاوز الأزمات ومواصلة الطريق.

وهذا هو الأمل الذي يمكن أن يتعزز بين الشعوب المسلمة والتيارات المقاومة أيضاً؛ الأمل بأن الضغط والتهديد، إذا اقترنا بالإيمان والعقلانية والانسجام والإدارة، لن يؤدي بالضرورة إلى الهزيمة، بل قد يكون مقدمة لإعادة بناء وتعزيز قدرات جبهة إسلامية كبرى لصالح العالم الإسلامي.

 
https://avapress.net/vdcgux9wzak93y4.,rra.html
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني