كما أكدت التقارير المتعلقة ببرامج اليوم الأربعين على نفس هذا المفهوم، أن حضور الناس ليس مجرد تعبير عن الحزن، بل هو دليل على الالتزام بالطريق والمبادئ التي ناضل من أجلها القائد الشهيد.
دون شك، فإن أربعينية القائد الشهيد هي بداية الاهتمام بالمسؤوليات الهامة والمصيرية، ويمكن أن تكون مرحلة انتقال العواطف إلى الوعي والوعي إلى المسؤولية.
في المراسم الأولى، يواجه الإنسان الفقد أكثر، لكن يجب أن نلتفت إلى هذه الحقيقة: ما الدرس الذي تعلمناه من هذه الشهادة؟ ما هي المبادئ التي يجب أن تبقى حية؟ ما هي المسؤوليات التي تقع على عاتق الجيل الجديد؟ كيف يمكننا الاستفادة من الإرث الفكري والأخلاقي لقائد وزعيم كريم لحل مشاكل اليوم؟
ومن هنا، إذا كان تجديد العهد مصحوباً بزيادة البصيرة، وخدمة الناس، والوحدة، وتحصيل العلوم، والدفاع المنطقي عن الحق، فيمكن أن يتحول إلى حركة اجتماعية دائمة وملهمة لجميع أحرار العالم.
من الواضح جداً أن استشهاد العظماء، إذا ترافق مع وعي المجتمع، يمكن أن يصبح عاملاً لاستمرار المدرسة الفكرية.
يقول القرآن الكريم:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِینَ قُتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْیَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ یُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران، 169)
ويمكن فهم رسالة هذه الآية الكريمة اجتماعياً أيضاً بأن مدرسة الشهيد بعد استشهاده، يمكنها أن تستمر في المجتمع في صورة أفكاره وأخلاقه ومبادئه.
بالتالي، فإن تجديد العهد مع القائد الشهيد للأمة يعني إبقاء القيم التي عاش وناضل من أجلها حتى آخر لحظات عمره الشريف حية.
ومن أبرز مبادئ القائد الشهيد للأمة الحفاظ على عزة واستقلال الأمة الإسلامية، وأحد معالم الفكر السياسي للإمام الشهيد (ره) هو التأكيد على الاستقلال والعزة وعدم تبعية الأمة الإسلامية للمستكبرين والطغاة وأصحاب السلطة.
ويعني تجديد العهد مع هذه المبادئ أن يكون لدى المجتمعات الإسلامية القدرة على اتخاذ القرار المستقل والكريم في مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية. ومن المسلّم به أنّ الاستقلال في الفكر الإلهي للقائد الشهيد هو ألا يضحي شعب بمصالحه وعزته أمام إرادة القوى الكبرى والشيطانية في العالم في علاقاته الخارجية.
محور آخر من محاور طريق ومبادئ القائد الشهيد للأمة هو وحدة وتكاتف المسلمين. فالعالم الإسلامي اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى لتقليل الخلافات الطائفية والقومية واللغوية والإقليمية. يمكن للأعداء استغلال الخلافات الداخلية لإضعاف المجتمعات الإسلامية، إلا أن المجتمع الذي يركز على أسسه المشتركة يمتلك قوة أكبر للدفاع عن مصالحه.
يقول القرآن الكريم:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِیعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران، 103)
بالتالي، فإن من أهم تجليات تجديد العهد في مراسم أربعينية دفن سماحة الإمام الخامنئي (قدس الله نفسه الزكية) هو فرصة لتعزيز وحدة المسلمين وتقليل الخلافات.
وهذه المسألة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة لشعب أفغانستان، لأن المجتمع الأفغاني بحكم تنوعه العرقي والمذهبي واللغوي والسياسي بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى ثقافة الحوار، والتعايش السلمي، والاحترام المتبادل، وتجنب نشر الكراهية.
الدفاع عن المظلوم والمقاومة في وجه هيمنة الاستكبار، وقضية فلسطين ودعم الشعوب المستضعفة، تحتل مكانة مهمة في المنظومة الفكرية للقائد الشهيد. تجديد العهد مع هذه المبادئ يجب أن يترافق مع تعزيز الوعي، والدعم الإنساني والأخلاقي للمظلومين، والتصدي لتطبيع الظلم والاضطهاد.
يقول القرآن الكريم:
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ (النساء، 75)
وبالطبع في الظروف الراهنة، يمكن أن يظهر الدفاع عن المظلومين في مجالات متنوعة، من بينها التوعية، والنشاط العلمي، والاجتماعي، والإعلامي، والإغاثة، والدفاع عن الحقوق الإنسانية.
وفي فكر القائد الشهيد للأمة، إن المجتمع الذي يعتمد علمياً واقتصادياً وتكنولوجياً وإعلامياً وثقافياً، حتى لو كان قوياً عسكرياً، سيكون عرضة للضرر أمام الضغوط طويلة الأمد. ولذلك، فإن من أهم السبل لمواصلة نهج القائد الإلهي والسياسي، هو تربية جيل عالم ومتخصص وملتزم ومسؤول.
ولا شك اليوم أن الطلاب المسلمين وأساتذة الجامعات وطلبة الحوزات والباحثين والصحفيين والكتّاب والناشطين الثقافيين ورواد الأعمال، يمكنهم أن يلعبوا دوراً في أحد ميادين تقدم الأمة الإسلامية. كما يمكن أن تكون القلم والعلم والجامعة والإعلام والتكنولوجيا أدوات للمقاومة والاستقلال.
الجهاد التوضيحي والتصدي للتحريف في عصر الإعلام هو أيضاً من المهام الأخرى لأتباع القائد الشهيد. فالحرب لا تحدث فقط في ساحات المعارك العسكرية؛ إذ إن جزءاً مهماً من الهجمة، والاختراق، والجهود الدائمة للقوى المتسلطة، يُمارَس في ساحة الروايات والهجوم الثقافي المستمر.
قد يحدث حادث ما، لكن ما يصدقه الرأي العام عنه هو نتيجة السرديات التي تقدمها وسائل الإعلام المعادية والحاقدة. من هذا المنطلق، تُعد القدرة على التمييز، والتحقيق، والتحقق، والتصدي لفبركة الأكاذيب والتحريف والهجوم الثقافي الواسع من أهم مسؤوليات الجيل الجديد وأتباع القائد الشهيد الحقيقيين.
تجديد العهد مع مبادئ القائد الإلهي يجب أن يكون بمعنى معرفة أفكاره، ودراسة آثاره، وفهم أسسه، والقدرة على شرحها بشكل منطقي وموثق للجيل الجديد.
ولذا، فإن من أهم جوانب إرث القائد الشهيد، هو الجمع بين الروحانية والأخلاق والإخلاص والمسؤولية الاجتماعية. ويجب أن يظهر تجديد العهد الحقيقي أيضاً في الحياة الفردية: الصلاة والروحانية، الصدق والأمانة، خدمة الناس، احترام الآخرين والكرامة الإنسانية، تجنب التهم والأكاذيب، وتفضيل المصلحة العامة على الخاصة.
وطبعاً، في مراسم الأربعين لدفن القائد الشهيد، فإن إظهار المشاعر أمر مقدس، والبكاء والحداد رسالة التزام بالمبادئ وهو أمر ثمين، لكن يجب أن تتحول هذه المشاعر إلى ثبات وحركة.
لا شك أن استمرار مسار القائد الشهيد والمفكر للثورة الإسلامية بعد استشهاده يتطلب بالدرجة الأولى مخاطبة الجيل الشاب. فالشاب اليوم يواجه أسئلة جديدة من الذكاء الاصطناعي والفضاء الافتراضي إلى الاقتصاد والهجرة والعمل والهوية الثقافية وحروب السرديات.
لذا، يجب نقل المبادئ إلى الجيل الجديد بلغة العصر وبالمنطق والرد على احتياجاتهم الحقيقية. ويجب إظهار كيف يمكن لمبادئ العدالة والاستقلال والعزة والروحانية والتقدم أن تتجسد وتقترن في الحياة المعاصرة.
يجب أن نلاحظ أن المجتمعات عندما تفقد الشخصيات الكبيرة أمامها خياران: إما أن تتوقف عند حزن الفقدان، أو أن تستفيد من إرث تلك الشخصية العظيمة لبناء المستقبل. إذا أصبح يوم الأربعين محطة لإعادة قراءة الفكر، وتربية جيل جديد، وتعزيز الوحدة، وزيادة البصيرة، وتقديم المزيد من الخدمة للناس، فيمكن أن يتحول فقدان شخصية إلهية نبيلة إلى رصيد للمستقبل.
اليوم الأربعين من دفن قائد الأمة الشهيد، حضرة الإمام خامنئي (قدس سره)، يمكن أن يكون بداية لمرحلة جديدة من تحمّل المسؤولية على مستوى عموم المسلمين وسائر الأحرار وأصحاب الفكر الحر في العالم، وأن يظهر تجديد العهد مع القائد الشهيد في سلوك وأداء المجتمعات الإسلامية.
إذا قلنا اليوم إن طريق القائد الشهيد كان طريق العزة، فعلينا أن نعيش بعزة. إذا قلنا إن طريقه كان طريق الوحدة، فعلينا أن نبتعد عن التفرقة. إذا قلنا إن طريقه كان طريق العلم، يجب أن نسعى ونخطو فعلياً في درب إنتاج العلم والمعرفة. إذا قلنا إن طريقه كان طريق العدالة، فعلينا ألا نكون لا مبالين حيال الظلم والقهر والعدوان. وإذا قلنا إنه سعى لاستقلال وعزة الأمة الإسلامية، فيجب أن نسعى لبناء مجتمع مستقل وواعٍ وموحد ومتقدم وعزيز.
الأربعين هو عهد يجب أن يبدأ من القلب، ويتعمق في الفكر، ويتجلى في الأخلاق، وفي النهاية يثمر في الأداء الاجتماعي وخدمة الناس.
من هذه الزاوية، أعظم أداء للواجب تجاه قائد الأمة الشهيد هو إحياء القيم التي عاش وناضل من أجلها؛ وأعظم وفاء هو بناء مستقبل تتحقق فيه قيم سيد الأمة الشهيد.